فخ المرآة.. حين نسقط من شاهق التوقعات في بئر الخيبة
بقلم: باهر رجب
في لحظة صدق مع الذات، نكتشف أن الجزء الأكبر من أوجاعنا لم يكن بسبب سوء الآخرين فحسب، بل بسبب “نرجسية خفية” نمارسها دون وعي؛ وهي انتظارنا من الآخرين أن يتصرفوا تماما كما كنا سنتصرف لو كنا مكانهم. نحن لا نرى الناس كما هم، بل نراهم كما نحن، وهنا تكمن المأساة.

وهم النسخة المطابقة
لطالما اعتقدنا أن الحب والتقدير والاهتمام “عملات” يجب أن ترد بنفس القيمة والوزن. نضع معاييرنا الخاصة للجدعنة، للتضحية، وللوفاء، ثم ننتظر من الطرف الآخر أن يرتدي هذه المعايير كأنها مقاسه الشخصي.
الحقيقة المرة التي تتكشف مع مرور الأيام هي أن التوقعات المرتفعة هي أسرع طريق للارتطام بالأرض. كلما رفعت سقف توقعاتك في بشر، زادت قوة “الوقعة” وآلامها. لقد غاب عن أذهاننا أن القلوب لا تقاد بالريموت كنترول، وأننا لا نملك حق اختيار كيف يحبنا الآخرون، أو حتى إن كانوا سيحبوننا أصلا.
سعار المصالح.. حين يصبح “الذوق” عملة نادرة
لا يتوقف الأمر عند المشاعر، بل يمتد إلى تفاصيل التعامل اليومي التي كشفت عن “قبح” اجتماعي لم نعد نستطيع تجميله. نعيش في زمن أصبحت فيه المصلحة الشخصية هي البوصلة الوحيدة، حيث يقتحم أحدهم خصوصيتك باتصال هاتفي في موعد لا يقبله عقل ، “رن” متواصل يمزق هدوء نومك أو تركيز عملك، فقط لأن لديه طلبا لا يحتمل التأجيل في نظره.
المفارقة هنا تكمن في الرقي المفقود: بينما يتردد الشخص المهذب في إرسال “رسالة نصية” في وقت متأخر خوفا من الإزعاج.
تجد الطرف الآخر لا يرى فيك سوى وسيلة لقضاء حاجته، غير مبالة بمرضك، بتعبك، أو بحقك في الراحة.
وقاحة الطلب واستباحة الوقت
من أعجب ما قد يواجهه المرء في علاقاته، هو ذلك الشخص الذي يحتاج إليك في أمر ما، وعندما تحاول ترتيب موعد، يقول لك بكل “ثقة” و عنجهية: “اتصل بي قبلها لتذكرني!” هذه ليست مجرد قلة ذوق، بل هي “وقاحة” مغلفة ببرود الأعصاب. فالمفترض أن من يحتاج الخدمة هو من يسعى و يوثق المواعيد، لا أن يضع عبء “التذكير” على الطرف المتفضل عليه.
أما عن “جريمة التأخير”، فحدث ولا حرج. أن تحدد موعدا، وتفرغ يومك، وتحترم التزامك، لتجد الطرف الآخر يتأخر بالساعات، مكتفيا بعبارات مستفزة مثل “معلش”، “أنا في الطريق”، أو “أنا داخل عليك”، بينما هو لا يزال في منزله! هذا السلوك ليس مجرد تأخير، بل هو إعلان صريح بأن “وقتك لا قيمة له عندي”.
دستور الاحترام.. الخصوصية ليست مشاعا
يجب أن ندرك أن البشر ليسوا في “نوبة عمل” دائمة لخدمة نزواتنا. لكل إنسان:
ساعات عمل يجب احترامها.
ساعات نوم هي حق مقدس لا يقتحمه إلا طارئ يخص الحياة أو الموت.
طبيعة شخصية تختلف عن طبيعتك، فما تراه أنت بسيطا قد يراه غيرك عبئا ثقيلا.
الخلاصة: التوقعات المنخفضة هي الحل
إن تعلم “أدب المسافات” هو المنقذ الوحيد لسلامتنا النفسية. علينا أن نتوقف عن انتظار ردود أفعال تشبهنا، وأن نضع حدودا حازمة مع أولئك الذين لا يعرفون للذوق طريقا. الاحترام المتبادل ليس تفضلا، بل هو الحد الأدنى من الإنسانية.
إذا أردت أن تعيش بسلام، عامل الناس بأصلك، ولكن لا تتوقع منهم أن يعاملوك بأصلك أنت.. بل اترك لهم حرية التصرف، واترك لنفسك حرية الانسحاب حين يتجاوزون حدود اللياقة.





